محمد سعيد رمضان البوطي

248

فقه السيرة ( البوطي )

وإذا حكم شيء لزم حكمه ، ولا يجوز للإمام ولا لهم الرجوع ، ولهم الرجوع قبل الحكم « 1 » . ثالثا : ( مشروعية الاجتهاد في الفروع وضرورة وقوع الخلاف فيها ) ، وفي اختلاف الصحابة في فهم كلام رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « ألا لا يصلّين أحد العصر إلا في بني قريظة » على النحو الذي روينا ، مع عدم تعنيف النبيّ صلى اللّه عليه وسلم أحدا منهم أو معاتبته ، دلالة هامة على أصل من الأصول الشرعية الكبرى ، وهو تقرير مبدأ الخلاف في مسائل الفروع ، واعتبار كل من المتخالفين معذورا ومثابا ، سواء قلنا أن المصيب واحد أو متعدد كما أن فيه تقريرا لمبدأ الاجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية ، وفيه ما يدل على أن استئصال الخلاف في مسائل الفروع التي تنبع من دلالات ظنية ، أمر لا يمكن أن يتصور أو يتم ، فاللّه سبحانه وتعالى تعبّد عباده بنوعين من التكاليف : أحدهما : تطبيق أوامر معينة واضحة تتعلق بالعقيدة أو السلوك . ثانيهما : البحث وبذل الجهد ابتغاء فهم المبادئ والأحكام الفرعية من أدلتها العامة المختلفة ، فليس المطلوب ممن أدركته الصلاة في بادية التبست عليه جهة القبلة فيها ، أكثر من أن تتجلى عبوديته للّه تعالى في أن يبذل كل ما لديه من وسع لمعرفة جهة القبلة حسب فهمه وما يبدو له من أدلة ، حتى إذا سكنت نفسه إلى جهة ما ، استقبلها فصلّى إليها . ثم إن هناك حكما باهرة لمجيء كثير من الأدلة والنصوص الشرعية ظنية الدلالة غير قطعية ، من أبرزها ، أن تكون الاجتهادات المختلفة في مسألة ما ، كلها وثيقة الصلة بالأدلة المعتبرة شرعا ، حتى يكون للمسلمين متسع في الأخذ بأيّها شاؤوا حسبما تقتضيه ظروفهم ومصالحهم المعتبرة وتلك من أجلى مظاهر رحمة اللّه بعباده ، في كل عصر وزمن . وإذا تأملت هذا ، علمت أن السعي في محاولة القضاء على الخلاف في مسائل الفروع ، معاندة للحكمة الربانية والتدبير الإلهي في تشريعه ، عدا أنه ضرب من العبث الباطل ، إذ كيف تضمن انتزاع الخلاف في مسألة ما دام دليلها ظنيا محتملا ؟ ! . . لو أمكن ذلك أن يتم في عصرنا ، لكان أولى العصور به عصر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، ولكان أولى الناس بأن لا يختلفوا هم أصحابه ، فما بالهم اختلفوا مع ذلك كما قد رأيت ؟ ! . رابعا : ( تأكد اليهود من نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلم ) ، لقد رأيت من مجرى كلام كعب بن أسد

--> ( 1 ) النووي على مسلم 12 / 92 .